قراءة في نص الحوار المقفل.. حين يذهب الموت بالشعراء

دلال المغربي (حواء القمودي)

الشاعر علي الفزاني (الصورة عن حسابه على الفيسبوك)

حوارية مكثفة ضاجة بالأسى، ضاجة بالعويل..

حين تدخل إلى كهفها تحاول أن تجد لها في قلبك معادلاً ما..

ترى أتنطق همساً خافتاً حزينا؟ أم صرخة موجعة هادرة؟ هكذا تتراءى أسئلة للقارئ وهو يقف إلى ضفاف قصيدة (الحوار المقفل) للشاعر العظيم علي الفزاني..

إلهي سأفتح باب الحوار الجميل

فهذا المساء مساءُ شتاء طويل

وهذا الصقيع عليَّ شديدٌ، شديد

وما ذقت خبزاً وليس لديّ لحاف

وبيتي الفضاء الفسيح المديد..

هل استعار الشاعر صوت (أب عراقي) مواطن عراقي ليفتح هذه الغنائية الشجية، هذا الحوار المفتوح المدى مع الله يدعوه: إلهي.. بلا ياء نداء، لأنه قريب جداً ولأنه يحس إلهه الذي يؤمن به من (عصور عديدة حيث توالي الحضارات على أرض العراق).

وهو يدعوه (إلهي).. من هذا الفضاء المفتوح (بيتي الفضاء الفسيح المديد) إنه كبرياء العربي الذي يعرف أن الله يراه ويرى مذلته، ويرى بيته الذي أصبح حطاما، لكنه يقول لإلهه:

(وبيتي الفضاء الفسيح المديد)

هذا العنفوان الشديد في مواجهة الخراب، في مواجهة المذلة، ولست أدري سوى أني أحس بأن هذا المقطع من النص يكون نطقه وقراءته وتلاوته بعنف وصخب بقوة هادرة تشي وتخبر عن هذه الروح القوية التي لا تهزم أمام كل هذا التآمر وكل هذا العنف ضده، ليحموا قرارات الشرعية الدولية. إنه لا يتوجه إلى أحد بشكواه ولكنه إلى الله يرفع صرخته ويقول حزنه ووجعه:

في مساء شتائي طويل.. والصقيع شديد.. جائع.. حاف.. ولكن الفضاء كله بيته الواسع، إذاً ما الذي دمرتموه؟ إنكم أبداً لم تطئوا الأرض المقدسة حيث الروح المكابرة والنفس الأبية.. يتعاليان على الخراب ويشرعان الفضاء مملكة للعربي العنيد.

المقطع الثاني يبدأ القصيد.. ولكن بعنفوان قليل، بوجع قاس، لماذا؟

لأن الذي يرفع يديه الآن محاوراًَ الله هو هذا الأب..

إلهي جميل

أتعرف طفلي الجميل

لقد مات جوعاً- تمزق قصفاً- وكنت تراه

هذا الأب الحاني.. الذي يقول لإلهه: طفلي الجميل مات بالجوع وتمزق بالقصف.. وأنت تراه.. ولكن إذا كان هذا قدراً، إذاً

لك الحمد على الكارثة

لك الحمد على الواقعة

إذا هذا المواطن البسيط.. العربي.. لا يعترض على قدره (الكارثة- الواقعة).. ولكن..

ولكن لديّ- إلهي- سؤال

لماذا خلقت الملوك- وجنس الطغاة

لماذا تذل العباد بأيدي العباد

هذا المواطن العربي الذي هو فرد من ملايين تمتد على ساحة شاسعة لا يعترض على (القدر) ولكن سؤاله العنيف (لماذا خلقت الملوك وجنس الطغاة)؟!!

فهذا إنسان يقبل (بالكارثة- الواقعة) من الله الذي يعبده، ولكن لا يقبل الذل على يد عبد مثله: فيأتي السؤال: (لماذا خلقت الملوك وجنس الطغاة؟) لأن هؤلاء الملوك الطغاة ما هم إلا عبيد مثله، لذا فهو يعترض على وجودهم على الذل الذي يحيق به على أيديهم، هؤلاء الذين تآمروا ضده وركضوا هرولة لتنفيذ الشرعية الدولية التي قررت تدمير بلاده وإذلاله.

(لماذا تذل العباد بأيدي العبا)؟؟ هذا الأب الموجوع يقبل بالكارثة- الواقعة.. دمار بيته، جوعه وعريه، وموت الطفل الجميل. كل هذا يحمد الله عليه، ولكن الذل على أيدي العباد قاس يا رب العباد؟!! لماذا يقاتل سيفي ذراعي ورمحي يدي؟ لماذا بالله يتآمر العربي ضد العربي.. لماذا؟؟!! لماذا يدمر بلاده الجميلة ويغرقها في ظلمة الإذلال؟! لماذا؟!! (لماذا يصير العراق خراباً؟؟)

وأنت خلقت العراق جميلا؟

إذا يا الله هم ليسوا فقط أدخلوني ظلمة الذل والقيد ولكنهم أيضاً تحدوا قوتك الخارقة.. هؤلاء المدَّعُو الإيمان بك وتوحيدك، تحالفوا ضد الجمال الذي أبدعته (لماذا يصير العراق- خراباً- وأنت العراق جميلاً؟)

وتتصاعد الأسئلة لتدخل منحنى وعراً..

لماذا يموت الحسين مراراً؟ أكان الحسين سليل بغاة؟

الحسين رمز المضطهدين، الحسين المغرر به، الذي حين واجه قدّر الموت لم يأبه به، لكن فجيعته كانت في الخذلان الذي حاق من مريديه وأحبابه..

الحسين الذي صار حزن ملايين، أبداً لا تنساه أبداً تجعله متكئاً لوجعها وصبرها، قتل الحسين التقي النقي، حبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أهله القتلة، وأهله الذين خذلوه.. فلماذا لا نصبر نحن ونواجه قدرنا؟.

لكن هذا المواطن البسيط يصرخ بسؤاله عالياً: لماذا يموت الحسين مراراً؟ أكان الحسين سليل البغاة؟!! إلهي أجرني، فإن السؤال

يخاف السؤال

وإن السكوت محال

وإن القرون طوال

تمر عليّ، وخوفي سجين الشفاه الأب المفجوع الذي يقبل الكارثة.. حين يعود مواطناً عاديا بسيطاً فإنه يرفض الذل وفجيعة العراق الجميل، العراق الذي خلقه الله جميلاً فخربوه، وموت الحسين.. هذا المواطن العادي البسيط الذي هو هذه الملايين، هذه الملايين التي تحمد الله على كل قدر، وترضى بقليل من الخبز وبيت مهترئ وأطفال يتصايحون، ولكنه قدر جميل يحبه ويرضاه وحين تقبل الكارثة.. فإنه أيضاً يحمد الله، ولكن هذا الذل يا رب، ذل العباد للعباد.. وتحدي العباد لرب العباد، وموتنا يا الله.. موتنا بلا ثمن، سوى أننا مثل الحسين مخذولون.

دائماً متروكون دائماً.. هو سؤال تتطاول به القرون.

لماذا يموت الحسين؟

ويظل حياً معا في ملكاً يزيد بن معاوية.. يزيد السكير العربيد، يظل ويبقى ويموت الحسين، يقطف رأسه، ويزيد يتوطد ملكه.

في المقطع الثالث من القصيدة بوضوحها المربك وبلغتها القوية.

والمقطع الرابع.. وأيضا الخامس.. والسادس.. بلغة قوية وبوضوح يرتبك القارئ إزاءه لأنه وضوح يخبئ أسراره المفضوحة ويقول (الخوف سجين الشفاه)..

وكأن الشاعر في المقطع الرابع أراد أن ينبهنا حين يقول: إلهي

لماذا الغموض يلف القصيد..؟؟

فكأن الوضوح الذي نراه ما هو إلا مجرد سطح، مجرد قشرة يخبئ خلفها كلَّ الكلام وكلَّ الشكوى التي لا تباح.. في المقطع الخامس يتناجى الشاعر مع (النبي يوسف) حيث المنفى، المنفى الذي كان البئر عند يوسف وكانت كل الأرض عند الشعب العراقي.. حيث يوسف واخوته والشعب العراقي.. يوسف قد ثوبه، ولكن العربي الآن ألبس رداء الذل الذي ألبسه اخوته إياه، فكأنه ارتداه بيديه.. ويعود في المقطع السادس إلى دعواه وشكواه ونجواه وغضبه.. ويستعيد ذكرى الحسين رضي الله عنه.. (فصار نخيل العراق ذبيحاً كرأس الحسين).. وتتوحد المنافي، ويتوحد الوطن الذبيح.. (وكل البلاد عراق).


ملف مجلة البيت عن الشاعر علي الفزاني – العدد:12- السنة:36- 12/2000.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *